عبد الرحمن السهيلي
98
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
أكلهم للبر ، وإن كان أغلب أحوالهم أكل الشعير ، ولا يقال : حنطة إلا للبر . معنى تلقون إليهم بالمودّة : فصل : وذكر قول الله عز وجل في حاطب « تُلْقُونَ إليهم بالمَوَدَّةِ » أي : تبذلونها لهم ، ودخول الباء وخروجها عند الفراء سواء ، والباء عند سيبويه لا تزاد في الواجب ، ومعنى الكلام عند طائفة من البصريين : تلقون إليهم النصيحة بالمودة ، قال النحاس : معناه تخبرونهم بما يخبر به الرجل أهل مودته ، وهذا التقدير إن نفع في هذا الموضع لم ينفع في مثل قول العرب : ألقى إليه بوسادة أو بثوب ، ونحو ذلك ، فيقال : إذاً إن ألقيت تنقسم قسمين ، أحدهما : أن تريد وضع الشيء في الأرض ، فتقول : : ألقيت السوط من يده ، ونحو ذلك ، والثاني : أن تريد معنى الرمي بالشيء ، فنقول : ألقيت إلى زيد بكذا : أرميته به ، وفي الآية إنما هو إلقاء بكتاب ، وإرسال به ، فعبر عن ذلك بالمودة لأنه من أفعال أهل المودة ، فمن ثم حسنت الباء لأنه إرسال بشيء فتأمله . الحكم في قتل الجاسوس : وفي الحديث دليل على قتل الجاسوس ، فإن عمر رضي الله عنه قال : دعني فلأضرب عنقه ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : وما يدريك يا عمر لعل الله اطلع إلى أصحاب بدر ، الحديث ، فعلق حكم المنع من قتله بشهود بدر ، فدل على أن من فعل مثل فعله ، وليس ببدري أنه يقتل . زاد البخاري في بعض روايات الحديث ، قال : فاغرورقت عينا عمر رضي الله عنه وقال : الله ورسوله أعلم ، يعني حين سمعه يقول في أهل بدر ما قال ، وفي مسند الحارث أن حاطباً قال : يا رسول الله كنت عزيراً في قريش ، وكانت أمي بين ظهرانيهم ، فأردت أن يحفظوني فيها ، أو نحو هذا ، ثم فسر العزيز ، وقال : هو الغريب . عن عبد الله بن أبي أمية : وذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم لأم سلمة حين استأذنته في أخيها عبد الله بن أمية : وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي بمكة ما قال ، يعني حين قال له : والله لا آمنت بك حتى تتخذ سلماً إلى السماء ، فتعرج فيه ، وأنا أنظر ثم تأتي بصك وأربعة من الملائكة يشهدون لك أن الله قد أرسلك ، وقد تقدمت هذه القصة . وعبد الله بن أبي أمية هو أخو أم سلمة لأبيها ، وأمه عاتكة بنت عبد المطلب ، وأم سلمة أمها عاتكة بنت جذل الطعان ، وهو عامر بن قيس الفراسي ، واسم أبي أمية حذيفة وكانت عنده أربع عواتك ، قد ذكرنا منهن ههنا ثنتين . أبو سفيان : وقول أبي سفيان بن الحارث : أو لآخذن بيد بني هذا ، ثم لنذهبن في الأرض . لم يذكر ابن إسحاق اسم ابنه ذلك ، ولعله أن يكون جعفراً ، فقد كان إذ ذاك غلاماً مدركاً ، وشهد مع أبيه حنيناً ، ومات في خلافة معاوية ، ولا عقب له . وذكر الزبير لأبي سفيان ولداً يكنى أبا الهياج في حديث ذكره لا أدري : أهو جعفر أم غيره ، ومات أبو سفيان في خلافة عمر رضي الله عنه ، وقال عند موته : لا تبكن علي ، فإني لم أنتطف بخطيئة منذ أسلمت ، ومات من ثؤلول حلقه الحلاق في حج فقطعه مع الشعر فنزف منه ، وقيل في اسم أبي سفيان : المغيرة ، وقيل : بل المغيرة أخوه ، قال القتبي : إخوته : المغيرة ونوفل وعبد شمس وربيعة بنو الحارث بن عبد المطلب . وزن فعلل : وقوله : نزائع جاءت من سهام وسردد على زن فعال بفتح الفاء ، وسردد بضم أوله وإسكان ثانيه هكذا ذكره سيبويه ويعقوب ، وبفتح الدال ذكره غيرهما ، وهما موضعان من أرض عك ، وذلك أن سيبويه من أصله أنه ليس في الكلام فعلل بالفتح ، وحكاه الكوفيون في جندب وسردد ، وغيرهما ، ولا ينبغي أيضاً على أصل سيبويه أن يمتنع الفتح في سردد ، لأن إحدى الدالين زائدة من أجل الضعيف ، وإنما الذي يمتنع في الأبنية مثل جعفر بضم أوله وفتح ثانيه ، فمثل سردد والسودد والحولل جمع حائل ، وما ذكره بعضهم من طحلب ويرفع وجؤذر ، فهو دخيل في الكلام ، ولا يجعل أصلاً ، ولا يمتنع أيضاً جندب بفتح الدال ، لأن النون زائدة .